المرأة السودانية وصناعة القرار السياسي من الثورة إلى التهميش: لماذا لا تصل النساء إلى مواقع القيادة؟ بقلم: راشيل كوثيا – صحفية وناشطة اجتماعيةمقدمة: في بلدٍ تتقاطع فيه التحولات السياسية مع نضالات اجتماعية عميقة، تظل المرأة السودانية حاضرة، لا كمتفرجة بل كصانعة للتاريخ. من ساحات النضال الوطني إلى ميادين الثورة، ومن تنظيمات المجتمع المدني إلى لجان المقاومة، كانت المرأة السودانية دائمًا في قلب المعادلة، وإن حاولت الأنظمة أن تضعها على الهامش. هذا المقال يتناول دورها في السياسة، من جذورها التاريخية إلى لحظة الثورة، ويطرح تساؤلات حول غيابها عن مواقع القرار رغم حضورها القوي في كل لحظة مفصلية.جذور المشاركة: حين بدأت النساء في كتابة التاريخفي أربعينيات القرن الماضي، حين كانت البلاد تحت الاستعمار البريطاني، بدأت النساء السودانيات في تنظيم أنفسهن. أنشأن رابطة المرأة السودانية، وبدأن في المطالبة بحقوقهن في التعليم، العمل، والمشاركة السياسية. لم يكن الحديث عن “التمكين” دارجًا آنذاك، لكنهن مارسن التمكين بالفعل، دون أن ينتظرن مصطلحات أو مؤتمرات دولية.حين دخلت فاطمة أحمد إبراهيم البرلمان في ستينيات القرن الماضي، لم تكن تمثل نفسها فقط، بل كانت تمثل جيلًا كاملًا من النساء اللواتي آمنّ بأن السياسة ليست حكرًا على الرجال، وأن الوطن لا يُبنى بنصف شعب.بين الانتفاضات والانقلابات: المرأة لا تغيبمرّ السودان بمراحل سياسية متقلبة، من ثورة أكتوبر 1964 إلى انتفاضة أبريل 1985، وصولًا إلى حكم الإنقاذ الذي امتد لثلاثة عقود. في كل هذه المراحل، كانت المرأة حاضرة. في المظاهرات، في النقابات، في الصحافة، وفي التنظيمات السرية. لكنها كانت تُواجه دائمًا نفس السؤال: لماذا لا تصل إلى مواقع القرار؟الأنظمة المتعاقبة، حتى تلك التي رفعت شعارات التقدم، لم تمنح المرأة مساحة حقيقية للمشاركة. كانت تُستخدم أحيانًا لتجميل الصورة، أو لتمثيل السودان في المحافل الدولية، لكن دون أن تُمنح سلطة حقيقية.ثورة ديسمبر: حين أصبحت المرأة هي الثورةفي ديسمبر 2018، حين خرج السودانيون إلى الشوارع مطالبين بالحرية والعدالة، كانت النساء في الصفوف الأمامية. في الأحياء، نظّمن المواكب، أسعفن المصابين، وقدّمن الدعم اللوجستي والنفسي. في الجامعات، كنّ في مقدمة الصفوف، يهتفن ويواجهن القمع.وفي قلب الخرطوم، ظهرت صورة “كنداكة الثورة”، التي أصبحت رمزًا عالميًا للمرأة السودانية، ولشجاعتها التي لا تُقهر. لكن بعد سقوط النظام، حين بدأت مرحلة التفاوض وتشكيل الحكومة، تراجع حضور النساء. تم تعيين بعضهن في مناصب وزارية، لكن دون تمكين حقيقي. في مفاوضات السلام، وفي لجان صياغة الدستور، وفي المجلس التشريعي، كان تمثيل النساء محدودًا، وكأن الثورة لم تكن من صنعهن.لماذا لا تصل النساء إلى مواقع القرار؟السؤال لا يتعلق بالكفاءة أو الرغبة، بل بالبنية السياسية نفسها، التي لا تزال تُقصي النساء، وتُعيد إنتاج نفس النمط الذكوري في القيادة. الأحزاب السياسية، حتى تلك التي ترفع شعارات المساواة، لا تملك آليات حقيقية لتمكين النساء. الإعلام يكرّس صورة نمطية للمرأة، والمجتمع المدني لا يزال يعاني من فجوة في تمثيل النساء في مواقع القيادة.إشارات إيجابية: نساء في مواقع قيادية داخل بعض الأحزابرغم التحديات البنيوية والثقافية التي تواجه المرأة السودانية في المجال السياسي، ظهرت خلال السنوات الأخيرة إشارات إيجابية من بعض الأحزاب التي بدأت في منح النساء مواقع قيادية داخل هياكلها التنظيمية. هذه الخطوات، وإن كانت محدودة، تُعد بداية ضرورية لكسر احتكار الذكور للقرار السياسي.في الفترة الانتقالية، برزت أسماء نسائية ضمن تشكيلات وزارية ومواقع قيادية داخل قوى الحرية والتغيير، حيث لعبت بعض النساء دورًا في دعم التحول الديمقراطي، والمشاركة في صياغة الوثيقة الدستورية، والمطالبة بإلغاء القوانين المقيدة للحريات. كما سعت قيادات نسوية داخل الأحزاب إلى فرض مشاركة نسائية بنسبة تصل إلى 40% في المجلس التشريعي والجهاز التنفيذي، رغم مقاومة بعض القوى السياسية التي لا تزال متأثرة بثقافة الإقصاء القديمة.هذه التجارب، وإن لم تكن مكتملة، تُظهر أن التغيير ممكن حين تُمنح النساء فرصة حقيقية للمشاركة، لا من باب التجميل، بل من باب الاعتراف بدورهن التاريخي والوطني.نساء في الميدان: من النضال السياسي إلى حمل السلاحلم يكن نضال المرأة السودانية محصورًا في الساحات المدنية أو التنظيمات السياسية فقط، بل امتد إلى ميادين القتال، حيث حملت بعض النساء السلاح دفاعًا عن قضاياهن، ومواجهةً للظلم، وتأكيدًا على أن المشاركة الوطنية لا تُختزل في الأدوار التقليدية.منذ تأسيس “كتيبة البنات” في صفوف الجيش الشعبي لتحرير السودان، وحتى الحرب الحالية، شاركت النساء في صفوف الحركات المسلحة، والجيش السوداني، والدعم السريع، والحركات الثورية في دارفور. بعضهن خضن معارك مباشرة، وأخريات عملن في المهام الاستخبارية، التنظيمية، أو اللوجستية.في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة “الجيش الأسود”، وهي مجموعات نسائية تطوّعت في معسكرات التدريب التي أنشأها الجيش السوداني في ولايات مثل البحر الأحمر، نهر النيل، والنيل الأبيض. الهدف المعلن كان الدفاع عن النفس في ظل تصاعد العنف، لكن كثيرات عبّرن عن استعدادهن للقتال في الصفوف الأمامية، دعمًا للقوات المسلحة في مواجهة قوات الدعم السريع.هذا التحول، رغم الجدل الذي أثاره، يُظهر أن المرأة السودانية، في كل مراحل النضال، كانت حاضرة، قوية، ومصمّمة على أن تكون جزءًا من القرار، سواء عبر الكلمة أو البندقية.من النضال إلى السيادة: المرأة كحارسة للهوية الوطنيةالمرأة السودانية، في نضالها، لا تفصل بين حقوقها الفردية وحقوق وطنها الجماعية. حين تهتف للحرية، فهي لا تطالب فقط بحقوقها، بل تدافع عن كرامة وطن، عن علمٍ يُرفع بيدٍ نسائية، وعن نشيدٍ يُردّد بصوتٍ لا يخاف. مشاركتها السياسية ليست مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل فعلًا سياديًا يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.ماذا بعد؟ نحو مشاركة سياسية عادلةالمرأة السودانية اليوم تقف على مفترق طرق. بين ما أنجزته وما لم يُنجز بعد، بين الاعتراف الرمزي والمشاركة الحقيقية. ولكي تتحقق مشاركة سياسية عادلة، لا بد من:- إصلاح القوانين الانتخابية لضمان تمثيل نسائي فعّال – تأسيس برامج تدريب سياسي للنساء – دعم المبادرات النسوية المستقلة – إشراك النساء في مفاوضات السلام والدستور كصاحبات رأي لا كمراقباتهذه الخطوات ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية. لأن الوطن لا يُبنى إلا حين يُحترم الجميع، وتُفتح الأبواب أمام كل من ساهم في حمايته.خاتمةالمرأة السودانية لم تكن يومًا على هامش التاريخ، بل كانت في صلبه، تكتبه بدمها وصبرها وصوتها العالي في وجه الظلم. من ساحات النضال الوطني إلى ميادين الثورة، ومن ساحات القتال إلى طاولات الحوار، أثبتت أنها ليست مجرد داعمة، بل قائدة، ومبادِرة، وصاحبة رؤية.لكن الاعتراف لا يكفي. ما لم يُترجم هذا الحضور إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار، فإننا نعيد إنتاج نفس الإقصاء الذي قاومته المرأة لعقود. لا يمكن لوطن أن ينهض بنصف طاقته، ولا لثورة أن تكتمل دون أن تُنصف من حملتها على أكتافها.المرأة السودانية اليوم لا تطالب بالتمكين كمنّة، بل كحق أصيل، وكمسؤولية وطنية. إنها لا تنتظر أن يُفتح لها الباب، بل تصنع مفاتيحها، وتطرق الجدران إن لزم الأمر. لأنها ببساطة، لم تكن يومًا ضيفة على السياسة… بل كانت صاحبة بيتها، منذ البداية.