راشيل دي مابيور

المراة السودانية بين المساواة العالمية والانصاف المحلي

المرأة السودانية بين المساواة العالمية والإنصاف المحلي: هل نحتاج إلى خطابنا الخاص؟بقلم: راشيل دي مابيور> “المرأة السودانية ما بتنحني، بتقوم زي الجبل، وتبني من الحطام وطن.” > — قول شعبي متداول في جنوب السودانمقدمة المقالفي قلب السودان، حيث تتداخل الجغرافيا مع التاريخ، وتتشابك العروبة مع الأفريقانية، وتتمازج الأعراف بالدين، تقف المرأة السودانية شامخة كالنخلة في وجه الرياح. ليست مجرد رقم في إحصاءات النوع الاجتماعي، ولا مجرد صوت في حملات التمكين، بل هي ذاكرة وطن، وضمير مجتمع، وراوية حكاية لا تُشبه أي حكاية أخرى.لقد خاضت المرأة السودانية معاركها بصمتٍ حيناً، وبصوتٍ هادرٍ حيناً آخر. خرجت في الثورات، ودفعت ثمنًا باهظًا من أجل الحرية، ووقفت في الصفوف الأمامية حين تراجع الآخرون. لكنها، رغم كل ذلك، لا تزال تُواجه خطابًا لا يُنصفها، ونماذج لا تُشبهها، ومطالب تُفرض عليها باسم “المساواة”، دون أن تُراعي خصوصيتها المركبة.فهل آن الأوان أن نُعيد النظر؟ أن نُصغي لصوتها الحقيقي، لا لصدى الحركات العالمية؟ أن نُصيغ خطابًا نسويًا سودانيًا نابعًا من تربتها، من لغتها، من دينها، من أعرافها، ومن نضالها؟هذا المقال محاولة لفهم المرأة السودانية كما هي: بهويتها المتعددة، بتناقضاتها الجميلة، وبقوتها التي لا تُقاس بالأرقام، بل تُقاس بالأثر.هوية المرأة السودانية: بين العروبة والأفريقانية، بين الدين والأعرافالمرأة السودانية لا تحمل هوية واحدة، بل تتقاطع داخلها دوائر متعددة: فهي عربية في لغتها وثقافتها، وأفريقية في جذورها وتقاليدها، ومسلمة في غالبية انتمائها الديني، ومحافظة في أعرافها الاجتماعية. هذا التداخل لا يُضعف خطابها، بل يُعقّده ويُغنيه.فهي تتحدث بلغة العروبة، لكنها لا تُشبه المرأة في الخليج أو الشام. وهي تنتمي إلى أفريقيا، لكنها لا تُطابق المرأة في كينيا أو نيجيريا. وهي مسلمة، لكنها تُمارس الدين في سياق اجتماعي يختلف عن النموذج الفقهي التقليدي. وهي محافظة، لكنها خرجت في الثورات، وواجهت القمع، وكتبت الشعر، وغنّت للحرية.هذا التداخل يجعل خطابها في قضايا النوع مختلفًا. فهي لا تطالب بالمساواة من باب التشابه، بل من باب الإنصاف الذي يُراعي هذه الهوية المركبة. وهي لا ترفض العادات، لكنها تُعيد تشكيلها. ولا تُنكر الدين، لكنها تُطالب بتفسير يُنصفها. ولا تُنكر العروبة، لكنها تُصر على الاعتراف بأفريقيتها.منابر الاعتراف… ولكن بأي لغة؟لا شك أن قضايا النوع الاجتماعي بدأت تجد طريقها إلى المنابر السودانية، سواء في السياسات الحكومية أو في برامج المنظمات المدنية. هناك اعتراف متزايد بأهمية تمكين المرأة، وبضرورة إشراكها في صنع القرار، ومكافحة التمييز الذي يطالها في مختلف المجالات. لكن هذا الاعتراف، رغم أهميته، لا يزال في كثير من الأحيان يتبنى لغة مستعارة، لا تنبع من الواقع السوداني، بل تُستورد من تجارب أخرى، غالبًا غربية، تختلف جذريًا في السياق والتاريخ.المرأة السودانية ليست مجرد فاعلة اجتماعية تطالب بحقوقها، بل هي حاملة لهوية ثقافية وروحية عميقة. هي “ست البيت” التي تُربّي وتُعلّم، وهي “المناضلة” التي خرجت في صفوف الثوار، وهي “الراوية” التي تحفظ التاريخ في الأغاني والحكايات. هذه الأدوار لا تُقاس فقط بالمشاركة السياسية أو التمثيل العددي، بل تُقاس بمدى تأثيرها في تشكيل الوعي الجمعي، وفي حفظ تماسك المجتمع.المساواة أم الإنصاف؟ سؤال العدالة الحقيقيفي خضم هذا الجدل، يبرز مفهوم الإنصاف كبديل أكثر واقعية وإنسانية من المساواة المطلقة. فالمساواة، حين تُفهم على أنها تطابق في الأدوار والوظائف، قد تُجحف بحق المرأة، لأنها تتجاهل خصوصيتها البيولوجية والاجتماعية والدينية. أما الإنصاف، فهو أن تُمنح المرأة حقوقها كاملة، وأن تُحترم اختياراتها، وأن تُراعى ظروفها دون أن تُقصى أو تُفرض عليها نماذج لا تناسبها.الإسلام، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من الهوية السودانية، لا ينكر كرامة المرأة ولا يُقلل من شأنها. بل يقر بمساواتها في القيمة والجزاء، ويمنحها حقوقًا واضحة في الميراث، والعمل، والتعليم، والحياة الكريمة. لكنه أيضًا يراعي الفروق الطبيعية، ويُقر بأدوار مختلفة للرجل والمرأة، ليس من باب التفضيل، بل من باب التوازن.الحركات العالمية: بين الإلهام والتصادملا يمكن إنكار أن الحركات النسوية العالمية قد ألهمت كثيرًا من النساء السودانيات، وفتحت أمامهن آفاقًا جديدة للتعبير والمطالبة. لكنها في الوقت نفسه، حين تُستورد دون تمحيص، تُحدث تصادمًا مع القيم المحلية، وتُفقد الخطاب النسوي السوداني شرعيته المجتمعية.المرأة السودانية لا تحتاج إلى أن تُفكك هويتها لتكون “متحررة”، ولا إلى أن تُنكر ثقافتها لتكون “مساوية”. بل تحتاج إلى خطاب يُمكّنها وهي تحمل إرثها بفخر، ويُعزز دورها دون أن يُفرض عليها نمطًا غربيًا من التحرر.هل تتشابه المرأة السودانية مع نظيراتها العربيات والشرقيات؟في بعض القضايا، نعم. فالمرأة في المجتمعات العربية والشرقية تواجه تحديات مشابهة: التهميش، العنف، ضعف التمثيل، والقيود الاجتماعية. لكن المرأة السودانية تختلف في طريقة طرحها، لأنها تربط قضاياها بالسيادة الوطنية، وبالهوية الثقافية، وبالعدالة الشاملة، لا فقط بالحقوق الفردية.الطرح النسوي السوداني أكثر ارتباطًا بالتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، وأكثر حساسية تجاه الدين والتقاليد. وهذا ما يجعله فريدًا، لكنه أيضًا أكثر تعقيدًا، لأنه لا يسير على خط واحد، بل يتقاطع مع قضايا متعددة.الانفتاح: نعمة أم تحدٍ؟الانفتاح الإعلامي والتكنولوجي أتاح للمرأة السودانية فرصة الاطلاع على تجارب نسوية متنوعة، وساعدها على التعبير عن نفسها بطرق جديدة. لكنه أيضًا فرض عليها نماذج جاهزة، وأحدث فجوة بين النساء في المدن والنساء في الريف، وبين من يتحدثن بلغة الحقوق العالمية ومن يتمسكن بالخطاب المحلي.المرأة السودانية اليوم أكثر وعيًا، لكنها أيضًا أكثر حذرًا. فهي تريد أن تستفيد من الانفتاح، دون أن تفقد خصوصيتها. تريد أن تُسمع صوتها، دون أن يُعاد تشكيله بلهجة لا تُشبهها.نحو خطاب نسوي سوداني متجذرالحاجة اليوم ليست إلى مساواة شكلية، بل إلى إنصاف حقيقي. إلى خطاب نسوي سوداني:- يستند إلى الواقع، لا إلى النماذج المستوردة.- يُراعي الدين، دون أن يُخضعه للتفسير الذكوري.- يُعزز دور المرأة في بناء المجتمع، دون أن يُقصيها أو يُفرض عليها ما لا يناسبها.- يُنصفها وهي أم، وهي عاملة، وهي قائدة، وهي حافظة للهوية.- يُعبّر عن هويتها المركبة: عربية، أفريقية، مسلمة، تقليدية، ثائرة.المرأة السودانية لا تطلب امتيازًا، بل تطلب عدالة. لا تطلب أن تكون مثل الرجل، بل أن تُعامل بما يليق بها، وبما يُمكّنها من أداء دورها الكامل في المجتمع.خاتمة: تمكين لا يُقصي، ونسوية لا تُفككإن تمكين المرأة السودانية لا يكون بتفكيك هويتها، ولا باستنساخ نماذج لا تُشبهها. بل يكون بإعطائها صوتًا نابعًا من واقعها، ومنحها فرصة لتُشارك في بناء وطنها، وهي تحمل إرثها الثقافي والديني بفخر.فالمساواة الحقيقية لا تُقاس بالتشابه، بل بالعدالة التي تُنصف الجميع والمرأة السودانية بما تحمله من تاريخ وحكمه وصبر تستحق خطابا مختلف يشبه اختلافها

زر الذهاب إلى الأعلى