راشيل دي مابيور

المرأة في طاولة المفاوضات حضور انساني وسياسي يصنع الفارق

المرأة في طاولة المفاوضات: حضور إنساني وسياسي يصنع الفارقبقلم: راشيل كوثيا كوانج – جوبا، يونيو 2026مقدمةفي عالمٍ تمزقه النزاعات والحروب، تظل طاولات المفاوضات هي المختبر الأول والأساسي لصناعة السلام ورسم ملامح المستقبل. غير أن عقودًا طويلة مضت كانت فيها هذه الطاولات في منطقتنا والإقليم الأوسع حكرًا شبه كامل على الرجال والقيادات العسكرية، وكأن الحرب شأن يخص صانعيها فقط، ولا يعني من يتحملون وزرها الأكبر.اليوم، ومع التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة وضغط منظمات المجتمع المدني والحركات النسوية، لم يعد حضور المرأة مجرد لفتة رمزية لتزيين المشهد أو مطلب حقوقي يُرفع في الشعارات، بل استحال ضرورة عملية وسياسية لضمان شمولية الحلول واستدامة السلام. إن وجودها على الطاولة ليس ترفًا، بل هو المدخل الحقيقي والوحيد لبناء مجتمعات مستقرة وقادرة على التعافي بعد سنوات المأساة.تطور مسار المشاركة: من الهامش إلى التأثيرلم تكن مشاركة المرأة في عمليات السلام وليدة الصدفة أو منحة مجانية، بل جاءت نتيجة نضال شاق وطويل وتطور تدريجي على مر العقود. ففي البدايات وتحديات التمثيل التي شهدتها فترة تسعينيات القرن الماضي، كانت الوفود الرسمية تقتصر على نسب تمثيل ضئيلة للغاية لا تتجاوز في الغالب حدود السبعة إلى العشرة بالمئة، كما حدث تاريخيًا في مفاوضات نيفاشا الشهيرة. وكان الحضور النسوي في تلك المراحل يعتمد بشكل أساسي على الضغط من خارج غرف التفاوض، عبر شبكات المجتمع المدني والوقفات السلمية في الممرات والمذود عن حقوق الضحايا.ومع مرور الوقت وتراكم الخبرات، انتزعت النساء اعترافًا بضرورة وجودهن كشريكات أساسيات في صياغة الاتفاقيات وتحديد ملامح دولهن. وتجلى هذا التحول في تجارب أحدث وأكثر نضجًا، مثل اتفاقية جوبا لسلام السودان التي أقرت نصًا صريحًا يخصص أربعين بالمئة من مقاعد السلطة الانتقالية للنساء، وفي جنوب السودان عقب اتفاق السلام المنشط، حيث برز دور القيادات النسوية داخل لجان المراقبة والتقييم المشتركة لضمان تنفيذ البنود وحراسة المكتسبات من التراجع.الأهمية والعمق: البعد الإنساني والسياسي معًاإن وجود المرأة على طاولة المفاوضات لا يهدف إلى تحقيق توازن عددي أو ملء مقاعد فارغة، بل يضيف عمقًا يغير مجرى العملية التفاوضية بالكامل من خلال بعدين متكاملين.البعد الإنساني والاجتماعي يتجلى في كون المرأة تحمل إلى طاولة النقاش قضايا الفئات الأكثر تضررًا من الحروب، والتي غالبًا ما تسقط سهوًا وسط النزاعات السياسية والعسكرية المحتدمة. هي صوت النازحين واللاجئين في المخيمات، والأرامل اللواتي يواجهن قسوة الحياة وحدهن، والأطفال الذين حُرموا من التعليم، والضحايا الذين لا يجدون من يعبر عنهم. هذا الحضور يحول الاتفاقيات من مجرد تفاهمات أمنية باردة إلى مواثيق سلام ذات روح إنسانية واجتماعية عميقة.أما البعد الآخر فيتعلق بالمواطنة السياسية وصناعة القرار، فقد ولى الزمن الذي كان يُحصر فيه دور النساء في تقديم الدعم الإغاثي أو الوساطات المجتمعية المحلية. لقد امتد نضالهن إلى قلب المعارك الدستورية والسياسية؛ فمشاركتهم تضمن صياغة قوانين عادلة وتحديد حصص تمثيلية واضحة في مراكز صنع القرار ومؤسسات الحكم الانتقالي، مما يجعل السياسة العامة أكثر شمولاً وتعبيرًا عن الواقع.المكاسب والإنجازات: شواهد محليّة، إقليميّة وعالميّةلقد أثبتت التجارب الحية والوقائع على الأرض أن إشراك المرأة يثمر نتائج ملموسة تُحدث فرقًا حقيقيًا على كل المستويات.وعلى المستوى المحلي في السودان وجنوب السودان، نجحت النساء في إدراج قضايا معقدة كانت تُعتبر هامشية في نظر القادة العسكريين، مثل العدالة الانتقالية، التعويضات للمتضررين، وبرامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي. كما ساهمت مشاركة المرأة بفعالية في تعزيز البنود الصارمة الخاصة بحماية النساء من العنف الجنسي والجسدي أثناء النزاعات وتأسيس قوانين حماية الأسرة، فضلًا عن ضمان تمثيلهن في الهياكل السياسية والأمنية الانتقالية.أما إقليميًا، فقد شهدت أوغندا نجاح النساء المشاركات في المفاوضات والوساطات في الدفع نحو تضمين قضايا التعليم وإعادة دمج الأطفال المجندين وتأهيلهم نفسيًا واجتماعيًا ليعودوا كأفراد صالحين في مجتمعاتهم. وفي كينيا، لعبت الوسيطات والقيادات النسوية دورًا بارزًا في تضييق فجوة الخلافات السياسية المحتدمة، وأسهمن في تقريب وجهات النظر وتسريع الوصول إلى حلول توافقية أنقذت البلاد من احتمالات انهيار الاتفاقيات الهشة.وعالميًا، تظل التجربة الليبيرية ملهمة ومحفورة في الذاكرة، حيث قادت النساء حركة سلمية بيضاء حاصرت مقار التفاوض بصلابة، مما أجبر أطراف النزاع على توقيع السلام، ومهد الطريق لوصول إلين جونسون سيرليف كأول امرأة تتولى رئاسة دولة أفريقية. وفي كولومبيا، اعتُبر اتفاق السلام مع حركة فارك نموذجًا تاريخيًا بفضل اللجنة الفرعية المعنية بالجندر، والتي وضعت حقوق الضحايا وتوزيع الأراضي في مقدمة الأولويات بفضل ضغط النساء المتواصل. ولا يمكن إغفال تجربة أيرلندا الشمالية ودور تحالف النساء الحاسم في بناء الجسور والمصالحة الشعبية التي دعمت اتفاق الجمعة العظيمة، أو تجربة جنوب أفريقيا حيث قادت النساء جولات حوار غير رسمية وقنوات خلفية أسهمت بكفاءة في تذليل العقبات الكبرى قبل انطلاق المفاوضات الرسمية لإنهاء نظام الفصل العنصري.التحديات المستمرة:رغم كل هذه القفزات التشريعية والنصوص القانونية المكتسبة، إلا أن الواقع العملي لا يزال يصطدم بعقبات جمة وعقلية تقليدية تقاوم التغيير. فالكثير من بند الاتفاقيات تظل حبرًا على ورق بسبب غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتنفيذ الحصص المقررة للمرأة، واستمرار تهميشها في ملفات التفاوض الأكثر حساسية وخطورة مثل الترتيبات الأمنية، وإعادة هيكلة الجيوش، والملفات الاقتصادية المعقدة والتي تُترك غالباً للرجال خلف الأبواب المغلقة وكأنها شأن ذكوري خالص.هذا بالإضافة إلى النظرة النمطية والمحاولات المستمرة من بعض القوى السياسية والعسكرية لحصر دور المرأة في القضايا الناعمة أو الإنسانية، متجاهلةً قدرتها الفائقة كفاعل سياسي رئيسي ومحاور عنيد قادر على إدارة الأزمات الكبرى وصياغة التوافقات الصعبة في أحلك الظروف.خارطة الطريق: نحو تمثيل حقيقي لا صوريلتجاوز هذه العقبات وتحويل النصوص التشريعية إلى واقع معاش، يتطلب المستقبل خطوات جادة وشجاعة تتجاوز مجرد إحصاء نسب التمثيل الشكلي.ويبدأ ذلك بتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة الصارمة، بحيث تُربط شرعية أي اتفاق سلام بمدى الالتزام الفعلي بالحصص النسائية المقررة في كافة مستويات الحكم. كما يجب العمل على اختراق الملفات الحرجة من خلال بناء وتأهيل كوادر نسوية متخصصة ومسلحة بالمعرفة في ملفات الترتيبات الأمنية، والاقتصاد، وإعادة الإعمار، لكسر احتكار الغرف المغلقة. وأخيرًا، لا بد من تقديم الدعم المالي والمؤسسي لتمكين الحركات والمنظمات النسوية المحلية وتوفير الموارد اللازمة لها لتكون قادرة على مراقبة تنفيذ الاتفاقيات على الأرض بكفاءة واستقلالية تامة.هل تنجح المفاوضات بدون مشاركة المرأة؟إن الإجابة التي تقدمها شواهد التاريخ والواقع هي لا قاطعة. إن استبعاد المرأة أو تهميش دورها يفرغ المفاوضات من قيمتها الإنسانية ويجعلها مجرد صفقات مؤقتة لتقاسم السلطة والثروة بين النخب المسلحة، سرعان ما تنهار عند أول منعطف.الاتفاقات التي تتجاهل منظور المرأة واحتياجات نصف المجتمع تفتقر إلى الحاضنة الشعبية والشرعية الأخلاقية؛ فالمفاوضات ليست مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار أو هدنة لالتقاط الأنفاس، بل هي عملية شاقة لإعادة بناء مجتمع بأكمله من بين الأنقاض، والمرأة جزء لا يتجزأ من هذا البناء وأساس استقراره.خاتمةأثبتت التجارب المريرة والناجحة على حد سواء، أن مشاركة المرأة في المفاوضات ليست مجرد خيار تجميلي لترضية المجتمع الدولي، أو صوت عاطفي يستجدي السلام، بل هي حضور سياسي واجتماعي واعي يضفي شرعية حقيقية وعمقًا لأي عملية تفاوضية. غيابها يجعل الاتفاقات عرجاء وهشة، بينما وجودها يمنحها العصب والقدرة على الصمود في وجه العواصف.إن إدماج النساء في العمليات السلمية وصناعة القرار ليس تفضلاً أو منّة من أحد، بل هو الشرط الأول والأساسي لصناعة سلام شامل، عادل ومستدام، يضمن أن تكون طاولات التفاوض ممثلة لروح المجتمع بأكمله بأطيافه كافة، لا لنصفه فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى