المقالاتراشيل دي مابيور

بين الخرطوم ويوغندا الاسر السودانية في مواجهة العبور الثقافي وتحديات الانتماء

راشيل كوثيا – جوبا

مقدمة

في زمنٍ تتكسر فيه الحدود أمام موجات النزوح والهجرة، وتتشابك فيه الجغرافيا مع الوجدان، تجد الأسر السودانية نفسها في قلب معركة غير معلنة: معركة الحفاظ على الذات في وجه التلاشي، ومعركة التأقلم دون الذوبان، ومعركة إعادة تعريف الهوية في بيئة لا تشبهها، لكنها تفرض عليها أن تعيش فيها.

بين الخرطوم، حيث العادات متجذرة كأشجار النيم، ويوغندا، حيث التعدد الثقافي يرقص على إيقاع الانفتاح، تتكشف مفارقات يومية تمزق نسيج الأسرة السودانية، وتضعها أمام أسئلة وجودية: من نحن؟ كيف نربي أبناءنا؟ وأي قيم تستحق أن تُحمى حين تصبح الغربة هي الوطن البديل؟

هذا المقال لا يكتفي برصد الظواهر، بل يغوص في عمقها، يبالغ في تفكيكها، ويستفز القارئ ليعيد التفكير في معنى الانتماء، في زمنٍ لم يعد فيه الوطن مجرد أرض، بل منظومة قيم تُختبر كل يوم.

الزي والسلوك العام: بين وقار الخرطوم وجرأءة كمبالا

في الخرطوم، يُعد اللباس أكثر من مجرد قماش؛ إنه إعلان ضمني عن الانتماء، عن الاحترام، عن التقاليد التي لا تُقال لكنها تُمارس. أما في يوغندا، فالشارع يفيض بألوانٍ وأشكالٍ لا تعرف الحرج، حيث الجسد يُعرض بلا تردد، والكلمة تُقال بلا مواربة، والسلوك العام لا يخضع لرقابة الجماعة بل لإرادة الفرد.

هذا التباين لا يُشعر الأسر السودانية بالدهشة فقط، بل بالتهديد. إذ كيف تشرح لطفلك أن ما يراه يوميًا في المدرسة أو السوق لا يُناسبه، دون أن تبدو كأنك ترفض الواقع؟ وكيف تحمي خصوصيتك الثقافية دون أن تُتهم بالانغلاق أو التعصب؟
تربية الأبناء: بين الطاعة والتمرد

في السودان، يُربى الطفل على قاعدة ذهبية: “الكبار يُحترمون، والبيت له حرمة، والكلمة تُوزن قبل أن تُقال”. أما في يوغندا، فالطفل يُشجَّع على التعبير، على السؤال، على تحدي السلطة أحيانًا باسم الحرية. هذا التصادم التربوي يُربك الأسر، ويجعلها في حالة دفاع دائم عن أسلوبها، وكأنها تُحاكم على ما تعتبره فضيلة.

“أشعر أن ابني صار يتحدث بلغة لا أفهمها، لا أقصد اللغة اللفظية، بل طريقة التفكير”، تقول أم سودانية مقيمة في كمبالا، وهي تراقب تحول ابنها من طفل مطيع إلى مراهق يطالب بـ”مساحته الخاصة”.

الدين كقاسم مشترك… لكنه لا يوحّد

رغم أن نحو 60% من سكان يوغندا يعتنقون الإسلام، إلا أن الدين هناك لا يُمارس كما يُمارس في السودان. فالمساجد لا تتحدث بالعربية، والخطب لا تحمل نفس النبرة، والطقوس الدينية تتداخل مع العادات المحلية حتى تكاد تفقد شكلها الأصلي.

هذا التباين يُربك الأسر السودانية التي كانت تظن أن الدين سيكون جسرًا للتقارب، فإذا به يتحول إلى مساحة غريبة، لا هي مألوفة ولا هي منكرة. فهل يكفي أن نُصلي في نفس الاتجاه لنشعر أننا ننتمي إلى نفس الجماعة؟ أم أن الدين، دون لغة وثقافة مشتركة، يبقى قشرة لا تُغني عن الجوهر؟
السودانيون في المعسكرات: كرامة مؤجلة وهوية معلقة

في معسكرات اللجوء، لا تُقاس الحياة بالأيام، بل بالانتظار. انتظار الاعتراف، انتظار التوطين، انتظار العودة التي لا تأتي. هناك، يعيش السودانيون في ظروف لا تُشبههم، وسط خيام لا تحفظ الخصوصية، وقوانين لا تفهم الفوارق الثقافية الدقيقة بين دارفور والنيل الأزرق والخرطوم.

“نحن لسنا مجرد أرقام في قوائم الإغاثة، نحن بشر لنا تاريخ وثقافة وكرامة”، يقول أحد المقيمين في معسكر كيرياندونغو، وهو يصف شعور الأسر التي تُعامل ككتلة واحدة، دون اعتبار لتنوعها أو احتياجاتها الخاصة.

غياب التمثيل الرسمي، وغياب البرامج التربوية والثقافية التي تراعي الهوية السودانية، يجعل هذه المعسكرات فضاءً للذوبان القسري، حيث يُطلب من الأسر أن تتأقلم، لكن لا يُمنح لها الحق في أن تُعرّف نفسها.

انفتاح غير منضبط وظواهر دخيلة: حين تصبح الغربة مرآة مشوهة

في كمبالا، وفي أحياء اللجوء، بدأت تظهر سلوكيات دخيلة على المجتمع السوداني: علاقات مفتوحة، احتفالات صاخبة، أنماط لباس لا تُشبه ما اعتاده الناس. هذه الظواهر لا تُعبّر فقط عن التأقلم، بل عن فقدان البوصلة، عن محاولة يائسة للانتماء إلى بيئة لا تُشبهنا، لكنها تُغري بالقبول.

“نحن لا نرفض التعايش، لكننا نرفض الذوبان”، تقول ناشطة اجتماعية سودانية، وهي تُحذر من أن بعض الشباب باتوا يتخلون عن لغتهم، عن طقوسهم، عن احترامهم للأسرة، باسم الحرية التي لا تُرافقها مسؤولية.

الهوية العابرة للحدود: ولادة جديدة أم فقدان للذات؟

ورغم كل شيء، هناك من يرى في هذا العبور الثقافي فرصة لإعادة تعريف الهوية، ليس كقالب جامد، بل كنسيج حيّ يتشكل من التفاعل، من الصراع، من التجدد. الأسر السودانية بدأت تُعيد صياغة ذاتها، تُعلّم أبناءها كيف يكونوا سودانيين في المهجر، لا بالرفض، بل بالاختيار.

لكن هذا المسار يحتاج إلى دعم، إلى مؤسسات، إلى خطاب إعلامي يُعزز الانتماء دون أن يُشيطن الآخر، ويُعلّم الأبناء أن الهوية ليست سجنًا، بل مرآة نختار كيف نُصقلها.

نحو حلول عملية

  • إنشاء مراكز ثقافية سودانية في يوغندا لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأسر.
  • تطوير مناهج تربوية مزدوجة تراعي السياقين السوداني واليوغندي.
  • تنظيم فعاليات مشتركة تعزز الحوار الثقافي وتكسر الصور النمطية.
  • دعم إعلامي لإنتاج محتوى سوداني موجه للأطفال في المهجر.
  • تشكيل لجان تمثيلية داخل المعسكرات تعكس التنوع السوداني وتدافع عن الحقوق الثقافية والاجتماعية.
  • تنظيم ندوات حوارية حول الهوية والسلوك في المهجر، بمشاركة الأسر والشباب والقيادات المجتمعية.

خاتمة تحليلية

ليس المطلوب أن نذوب في الآخر، ولا أن نتحصن ضد التغيير، بل أن نعيد تعريف أنفسنا في ضوء ما نعيشه، لا ما نخافه. فبين الخرطوم ويوغندا، تكتب الأسر السودانية فصولًا جديدة من قصتها، بكل ما فيها من تحديات وفرص، وتعيد رسم ملامح الهوية في زمن العبور الثقافي، حيث لا شيء يُمنح، وكل شيء يُنتزع بالوعي، بالثبات، وبالقدرة على التمييز بين ما يُغيّرنا وما يُشوّهنا.
راشيل دي مابيور

بين الخرطوم ويوغندا الاسر السودانية في مواجهة العبور الثقافة وتحديات الانتماء

زر الذهاب إلى الأعلى