أثر الحرب على الصحة النفسية للنساء
أثر الحرب على الصحة النفسية للنساء
ولماذا تُهمَّش صحتهن النفسية؟
أبية الريح
في النزاع السوداني استُخدم جسد المرأة نفسه كسلاح ورسالة وكان الاغتصاب ممارسة منهجية لزرع الخوف وكسر المجتمعات.
وإجبار النساء على النزوح مع أطفالهن هو شكل آخر من القتال – تحويل الأمومة إلى عبء لا يُحتمل. لكن الأخطر أن هذه الحرب تُترك بلا شهود. الجروح التي تخلفها لا تترك دم على الأرض، الأرقام تزداد والأصوات تُكتم. الدراسات الحديثة في (2025) أثبتت أن النساء السودانيات أكثر عرضة من الرجال لاضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب الحاد. أكثر من 60% من العينات التي خضعت للفحص الطبي والنفسي أظهرن أعراض شديدة. لكن هذه الأرقام لا تترجم إلى سياسات أو برامج واسعة لماذا؟ لأن ما يُنظر إليه هو الجثث والمنازل المهدمة أما الألم النفسي فيُعتبر هامش. هذه سياسة إقصاء مضاعفة – إقصاء النساء أولا.
هناك تقارير وأصوات من الميدان مثلا قالت كوثر: حين وصلت إلى المخيم، انهرت نفسيا. فكرت في الانتحار. لم يعد في داخلي ما يكفي لأعيش من أجله.
فاطمة من دارفور: أخشى الذهاب لجلب الماء. لأن كل خطوة في الطريق قد تنتهي بالاغتصاب. الخوف يسكن في جسدي.
أم حديثة الولادة: ولدت على الأرض. لم يكن هناك ماء لغسل طفلي. بكيت بدلًا من أن أفرح.
هذه الحكايات وثائق حرب تشهد على أن النساء يواجهن انهيار داخلي بحجم الخراب الخارجي.
الصدمات النفسية لا تقتصر فقط عليها فالمرأة التي تعيش بقلق مستمر تنقل هذا القلق إلى طفلها. الأم التي تعاني من اكتئاب حاد تفقد القدرة على توفير الحنان والاستقرار. وهكذا يتحول الألم النفسي الفردي إلى عدوى اجتماعية تهدد بتدمير جيل كامل. بكلمات أخرى؛ إذا تجاهلنا صحة النساء النفسية اليوم فإننا نصنع حرب جديدة غدا حتى بعد توقف الرصاص. ولأكون واضحة أكثر فإن جرح النساء النفسي في السودان هو نتيجة الصمت المفروض عليهن فالمجتمع يُحمل ضحايا الاغتصاب العار بدلا من حماية كرامتهن. وطلب المساعدة النفسية يُواجه بالوصمة، وكأنه اعتراف بالضعف أو الجنون.
المنظمات الإنسانية تتحدث عن “الأمن الغذائي” أكثر مما تتحدث عن “الأمن النفسي”. بهذا الشكل تتحول المرأة إلى ضحية مرتين مرة في يد المعتدي، ومرة في يد مجتمع وسياسات لا تريد الاعتراف بآلامها. النساء هن العمود الفقري للبقاء من دون صحتهن النفسية لن تكون هناك عائلات متماسكة ولا مجتمع سليم. لأن تجاهل الصدمات يُخرج أجيال جديدة مشوهة، تربت على الخوف والعنف.
ما الذي نطالب به؟
الاعتراف بالعنف النفسي ضد النساء كجريمة حرب، لا يقل خطورة عن القصف.
إنشاء برامج دعم نفسي عاجلة داخل المخيمات وخارجها.
تدريب نساء من داخل المجتمعات المتضررة ليصبحن داعمات نفسيات، بدل من انتظار “خبراء” يأتون من بعيد.
ايضا كسر الوصمة بالصوت العالي فتح مساحات للنساء ليرووا قصصهن بلا خوف.
إشراك النساء كصانعات قرار في أي عملية سلام لا يمكن بناء سلام على أنقاض أرواحهن.
وأخيرا:
النساء في السودان يحتجن اعتراف بأن ما يواجهنه هو حرب كاملة بحد ذاته، وإذا لم يُكتب التاريخ من زاوية النساء، فإنه سيكون تاريخ ناقص ومجتمع مشلول ومستقبل مهدد.
ابيه الريح
أثر الحرب على الصحة النفسية للنساء





