فاطمة غزالي

النساء المعتقلات يستحقن العدالة والانصاف بلاء انحناء


فاطمة غزالي

حرب 15 أبريل 2023م طوّقت النساء بمعاناة متعددة الأشكال، فأصبحت حياة المرأة السودانية مسرحًا لعرض فصول من سيناريوهات تراجيديا الحروب. تجدها في المعتقلات والسجون بسبب آرائها السياسية، أو نشاطها المدني، أو الاشتباه في انتمائها إلى الطرف الآخر. وقد قاد هذا الاشتباه بعضهن إلى محاكمات ظالمة، بلا أدلة واضحة أو حقائق ثابتة، لتنتهي بإصدار أحكام بالإعدام شنقًا حتى الموت أو بالسجن لسنوات طويلة.
ولا تزال بعض النساء يواجهن ظروف الاعتقال القاسية في معتقلات طرفي الحرب، بينما تعيش نساء أخريات معاناة من نوع آخر، داخل سجون مفتوحة فرضتها الحرب عليهن؛ سجون البحث عن الأمن والغذاء والمياه والرعاية الصحية، وانعدام الخصوصية، وصولًا إلى العيش في عراء الإذلال داخل معسكرات اللجوء والنزوح.
وثّقت بعض المنظمات الحقوقية اعتقال أكثر من 840 امرأة من قبل الشرطة والاستخبارات العسكرية المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية، في مناطق من بينها الجزيرة والخرطوم والقضارف وبورتسودان والدلنج وكادوقلي والأبيض. واتُّهمت كثير من النساء بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وفي بعض الحالات قيل إن الاتهامات استندت إلى العِرق أو مكان الإقامة أو الوضع الاجتماعي.
كما أشارت تقارير إلى أن بعض الاعتقالات لم تخلُ من الإهانات العنصرية والاعتداءات الجسدية أثناء الاستجواب، إلى جانب حرمان المعتقلات من المساعدة القانونية. وقد تكون الأرقام المعلنة أقل من العدد الفعلي، خصوصًا في ظل صعوبة الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمدنيين المعتقلين من الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية والشباب والنساء.
أما فيما يتعلق بالاعتقالات التي نفذتها قوات الدعم السريع أو القوات التابعة لتحالف «تأسيس»، فتشير إفادات وتقارير حقوقية إلى صعوبة تحديد العدد الحقيقي للنساء المعتقلات، ولا سيما في ولايات دارفور، بسبب ظروف الحرب وصعوبة الوصول إلى أماكن الاحتجاز وغياب المعلومات الرسمية الدقيقة.
وهذه المعلومات تضع حكومتي بورتسودان ونيالا أمام مسؤولية واضحة: إما إطلاق سراح النساء المعتقلات اللاتي لم تثبت إدانتهن، أو تقديمهن إلى محاكمات عادلة تتوافر فيها جميع ضمانات المحاكمة القانونية، بعيدًا عن الانتقام السياسي أو التمييز الجهوي والعرقي.
وهناك جهود يقوم بها بعض الحقوقيين والنشطاء، إلى جانب حملات تضامن، للمطالبة بإطلاق سراح المدنيين المعتقلين في سجون طرفي الحرب. وهي جهود تستحق الدعم، لأن الحرية ليست امتيازًا تمنحه الأطراف المتحاربة لمن تشاء، وإنما حق أصيل لا يجوز انتهاكه بسبب الموقف السياسي أو الانتماء الاجتماعي أو الاشتباه غير المدعوم بالأدلة.
ولا شك أن بعض النساء المعتقلات تركن خلفهن أطفالًا أبرياء، أو أن بعضهن اضطررن إلى اصطحاب أطفالهن معهن داخل السجون والمعتقلات، ليعيش هؤلاء الأطفال بدورهم قسوة الاحتجاز ويحرموا من أبسط حقوق الطفولة.
ولا يستطيع أحد أن ينكر أن حرب 15 أبريل فتحت أبوابًا واسعة لمعاناة النساء. فقد واجهت بعضهن التحرش والعنف الجنسي والتهديد بالاغتصاب، وهي انتهاكات بالغة الخطورة تستوجب التحقيق والمحاسبة. وفي الوقت نفسه، فإن التعامل مع هذه الجرائم يجب أن يستند إلى التوثيق والشهادات الموثوقة والتحقيقات المستقلة، حتى لا تتحول معاناة الضحايا إلى مادة للاستقطاب السياسي.
فقضية العنف الجنسي في الحرب السودانية تحتاج إلى تحقيقات مستقلة ومحايدة قادرة على إثبات الجرائم وتحديد المسؤولين عنها، وصولًا إلى تحقيق العدالة. فالحقيقة تتلاشى حين تغطيها الاصطفافات السياسية والولاءات الجهوية، وحين تتحول بعض المنابر الحقوقية والإعلامية من الدفاع عن الضحايا إلى خدمة أجندات سياسية.
ومن الخطورة أن نقع في فخ تبرئة طرف وإدانة طرف آخر لمجرد الانتماء السياسي أو الجهوي. فالعدالة لا تعرف طرفًا ولا قبيلة ولا جيشًا ولا دعم سريع ولا حركات مسلحة ولا مليشيات أيدولوجية؛ العدالة تنحاز إلى الضحية، وتحاسب الجاني، وتحمي الأبرياء.
النساء المعتقلات، أيًا كان الطرف الذي يحتجزهن، يستحققن العدالة والإنصاف. وإطلاق سراح الأبرياء، وضمان المحاكمات العادلة، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، ليست مطالب سياسية، وإنما حقوق إنسانية وقانونية لا ينبغي أن تسقط تحت أنقاض الحرب

زر الذهاب إلى الأعلى