متى تُعاقب الضحية مرتين وتُخفف عقوبة الجاني؟ المحامينصت المادة (130) من القانون الجنائي السوداني المعدل لسنة 2020 على أنه:> (1) يُعد قتلاً عمداً إذا قصد الجاني فعل القتل أو نتج عنه الموت نكايةً بفعلٍ قصده الجاني.(2) من يرتكب جريمة القتل العمد يُعاقب بالإعدام قصاصاً، فإذا سقط القصاص يُعاقب بالسجن مدة لا تجاوز عشر سنوات دون المساس بالدية.تناقض القانون وثغرة الاستفزازبالرغم من النص الصريح أعلاه، إلا أننا كثيراً ما نسمع في قضايا “الشرف” أن التكييف القانوني للجريمة يُغيّر من “قتل عمد” إلى “قتل شبه عمد” بدفع “استفزاز الضحية للجاني”، وذلك بالاستناد إلى المادة (131/و) التي تنص على:> “يُعد القتل قتلاً شبه عمد إذا قتل الجاني أثناء فقد السيطرة على نفسه لاستفزاز شديد ومفاجئ من الشخص الذي استفزه أو أي شخص آخر خطأ.”وهذه الثغرة القانونية تسمح بتبرير “جرائم الشرف” كأنها نتيجة “استفزاز”، مما يخفف العقوبة من القصاص إلى السجن مدة لا تتجاوز سبع سنوات، وكأن حياة المرأة أقل قيمة من مفهوم “الشرف”.لكن، هل يستحق فقدان السيطرة على النفس ثمناً أقل من إزهاق روح؟تعريف الاستفزاز الشديدالمادة (133) من القانون نفسه تعرفه بأنه:> “تسبيب الغضب الشديد الذي يمنع من كمال التثبت والتروي ويخرج عن حال الاعتدال.”كما حددت أن لا يُعتد بالاستفزاز إذا تسبب فيه الجاني قصداً (أي “الاستفزاز المدبّر”)، مثل أن يذهب شخص ليشتم آخر عمداً ثم يقتله عندما يغضب، أو أن يهاجم ضابطاً أثناء أداء واجبه القانوني بحجة “الاستفزاز”.فإذا كان القانون لا يقبل الدفع بالاستفزاز في هذه الحالات، فكيف يُقبل عند قتل بدافع اجتماعي لإنهاء “حياة بدافع الشرف”؟الرفض الشرعي والدولي للتخفيفالشريعة الإسلامية ترى أن ما يسمى “جرائم الشرف” هي جرائم قتل عمد كاملة لا يُخفف فيها الحكم، إذ أن الإسلام شدد على حماية الأرواح وجعل إثبات جرائم العرض مشروطاً بشروط صارمة (الإقرار الكامل أو شهادة أربعة شهود عدول)، لمنع الأفراد من اغتصاب سلطة القضاء.أما من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن الاعتداد بالاستفزاز في هذه الجرائم يُعد انتهاكاً للحق في الحياة المنصوص عليه في المادة (6/1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:> “الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً.”الخاتمةإن تخفيف العقوبة على الجاني في جرائم الشرف يُعد فشلاً للدولة في حماية أرواح نسائها، وتشجيعاً ضمنياً على تكرار الجريمة.فمن أمن العقاب أساء الأدب.