أ. عائشة على العمدةالمقالات

التعليم والوعي طريقة بناء المجتمع

يُعدُّ المعلم أساس العملية التربوية والتعليمية، فهو الذي يصنع الأجيال ويبني وعي المجتمع وقيمه. وقد واجه التعليم في السودان خلال الفترات السابقة تحديات كبيرة أثَّرت في إعداد المعلم وتأهيله، خاصة بعد إلغاء أو إضعاف معاهد وكليات التربية والتدريب. ونتج عن ذلك ضعف في الأداء التربوي والتعليمي وانعكس أثره على سلوك ومعرفة الطلاب داخل المجتمع. لذلك أصبح الاهتمام بتأهيل المعلم وتدريبه ضرورة وطنية وتربوية، لأن نجاح التعليم وتقدم المجتمع يبدأ من إعداد معلم كفء وقادر على أداء رسالته.

إذا أردت أن تبني أمة فابدأ ببناء المعلم، لأن المعلم هو من يفتح العقول قبل الكتب فاللبنة الأولى في البناء، الإنسان. وأول معلم للأمة الإسلامية هو النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم محمد أشرف خلق الله أجمعين-، فقد بعثه الله معلمًا ومربيًا، وهاديًا للبشرية.

ومن أهم المشاكل التي واجهت المجتمع السوداني في الفترات السابقة، وخاصة فترة الثلاثين سنة (فترة الانقاذ) -وبالأخص في مجال التربية والتعليم- إلغاء معاهد وكليات التربية للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، الموكلة لها تأهيل وتدريب المعلمين والمعلمات، ثم تبعها دمج المرحلتين المتوسطة والابتدائية (مرحلة الأساس)، فقد كان أثر القرارين واضحًا على العملية التربوية الوطنية.

فعلى الرغم من قلة المعاهد وكليات التدريب، إلا أن توزيعها جغرافيًا في أقاليم السودان كان بطريقة لتغطي أكبر قدر من المستهدفين في تلك الفترات التي خلت، ففي غربنا معهد الدلنج، وفي الوسط معهد بخت الرضا، وكلية المعلمات بأم درمان… ألخ، باعتبارها النواة الأولى للتأهيل والتدريب والمتابعة والتقييم والتقويم. إيماناً من التربويين الأوائل بأن إعداد المعلم/ة أهم محور في العملية التربوية التعليمية الوطنية، فهو حلقة الوصل والدينمو المحرك بين المنهج الذي يعد والجهات المستهدفة (الطلاب/ الطالبات). إذًا، لا بد أن يعد إعدادًا كاملًا في النواحي التي يحتاج إليها في أداء مهمته الوظيفية، وأن تتوفر لديه كل معينات التأهيل والتدريب والمتابعة والتقييم، ليكون أداؤه ذا أثر فعال.

فالمعلم كان قائدًا وموجهًا وداعيًا ومحركًا للمجتمع الذي يعمل أو يعيش فيه، وله مكانة خاصة في المجتمع، كتب عنه الشعراء والكتاب وغنت له الفتيات. ومن أشهر أبيات الشعر التي تعبّر عن مكانته وعظمته وعظيم رسالته قول الشاعر أحمد شوقي: “قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا”.

ولكن هنالك شيئًا مهمًا جدًا بعد تأهيله وتدريبه يجب توفير احتياجاته الأساسية الشخصية للحياة من (مسكن، صحة… ألخ)، حتى يكون صافي الذهن، ليؤدي دوره بصورة ناجحة تحقق الغرض التربوي التعليمي الوطني.

فإذا رجعنا إلى الوراء، فسوف نرى اختلافًا بين المعلم/ة في السابق -قبل الانقاذ- وما بعدها، السبب معروف لكل التربويين والأكاديميين والمهتمين بالشأن العام من الوطنيين وأصحاب التجارب في المجالات التربوية والتعليمية، ألا هو تجفيف معاهد وكليات التربية. وظهرت نتائج وأثر ذلك في سلوك وقيم المستهدفين في ممارستهم للحياة العملية في مختلف الإدارات والمؤسسات التي تسهم في خدمة وتطور وتقدم الوطن.

إن إلغاء المعاهد، أثر مباشرة في المرحلين الابتدائية والمتوسطة، لأنهما الأساس في غرس الأخلاق والقيم والمعرفة والتربية، بالنسبة للطلاب والدولة. وكان المعلم في السابق يفرق جيدًا بين المصطلحات العلمية في العملية التعليمية والتنموية المجتمعية، لأن لكل كلمة مدلولها العلمي حتى يكون واثقًا ومتمكّنًا… (التعليم، التدريس، التعلم، التربية)، لأن لكل مفردة هدفًا محددًا يؤدي الغرض المستهدف: فالتعليم، عملية منظمة تهدف إلى نقل المعارف والخبرات والمهارات، أما التعلم تغيير شبه دائم في السلوك أو المعرفة نتيجة الخبرة والتدريب، أما التدريس فهو نشاط تفاعلي يهدف إلى مساعدة المتعلم على تحقيق أهداف تعليمية محددة، والتربية هي عملية تنمية متكاملة للفرد عقليًا وروحيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا، لذلك كان للمعاهد والكليات التربوية أفضل وأميز أثر في إعداده.

كان الشيخ في الخلوة -قبل التعليم المدرسي النظامي- يعد ويدرب ويؤهل طلاب العلم (القرآن الكريم وعلومه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم)، على المشاركة والتعاون وغرس كل القيم التربوية. وهذا السلوك ينعكس عليه عندما يصير شيخًا (معلمًا). هنالك مقولة تربوية جميلة: “ليس هدف التعليم حشو العقول بالمعلومات بل بناء الإنسان القادر على التفكير والعمل القيم”.

فنجاح أي مجتمع وتقدمه وازدهاره وتحضره وتكاتفه والمحافظة عليه، يتم عبر المعلم/ة، حتى أن اختيار أعضاء البعثات الدبلوماسية والسفارات كان يتم من المعلمين، لأن المعلم خير سفير لبلاده، وذلك لتأهيله وتدريبه ومعرفته بوطنه (بلاده) والعالم من حوله.

وما زال الحديث عن التعليم والتربية الوطنية، يحمل الكثير من القضايا والمحطات المهمة، فانتظرونا في المقال القادم لنواصل قراءة أثر التعليم في بناء القيم وصناعة الوعي وتشكيل مستقبل الوطن.
استاذة /عائشة علي عبدالماجد محمود

زر الذهاب إلى الأعلى