قالت لى السيدة السبعينية شاكية، «زوجات أبنائي متدينات، لكنهن لا يعرفن الدين حقا، يؤدين الفرائض على أكمل وجه، يصمن ويصلين وذهبن مرات عديدة للحج والعمرة، لكنهن لا يعاملننى كأم لهن، ويخاصمن بعضهن بعضا بالشهور الطوال، ويتشاجرن على أتفه الأسباب، ويزرعن الضغينة والبغضاء بين أبنائي وأحفادي..هل يرضى الله عن هذه التصرفات؟».
مثل هذه الشكوى تتكرر فى بيوتنا جميعا، فى القرى والمدن، من أعلى السلم الاجتماعي إلى أدناه، الجميع يشكون تقريبا، الآباء والأبناء، الأزواج والحموات ، الرجال والنساء، الإخوة والأخوات، الزملاء فى العمل والجيران ، المواطنون والموظفون، الرؤساء والمرؤوسين. الناس فى بلدنا يضيعون أوقاتا ثمينة من أعمارهم أو قل جل أعمارهم فى عداوات وهمية لا طائل من ورائها، في معارك كلامية وقيل وقال ودوائر مفرغة لاتنتهى، تجلب لهم الشقاء وتبنى جدرا عازلة من العداوات وتفرق الجماعات وتجلب الأمراض وتقصف الأعمار.
يعانى الناس فى بلادنا مشكلات عديدة لا حصر لها من أجل توفير حياة آمنة كريمة لهم ولأبنائهم، ويزيد حياتهم تعقيدا مشكلات أخرى يخلقونها بأنفسهم بعلاقات متوترة فى محيط الأسرة والعائلة والجيران والأصدقاء والعمل، مما يعقد حياتهم ويزيدها إرتباكا، بتراكم هذه المشكلات واتساع نطاقها وتداخلها وتوارثها فى كثير من الأحيان، مما يؤدي إلى ضغوط عصبية هائلة ومشكلات نفسية رهيبة وصراعات اجتماعية وأمراض جسدية.
ولا حل لكل ذلك إلا بالصفاء النفسي والسمو الروحى والعقلى وإشاعة ثقافة التسامح والعفو والسلام في مجتمعاتنا لتتغلب على أخلاق الزحام والتفاهة والعنف التى تطغى الآن على السلوكيات والمعاملات بشكل مزعج. وفي ذلك راحة النفس وطمأنينة القلب وهدوء البال وسلامة الأعصاب وصحة الجسد.
إننا فى حاجة إلى تطهير القلوب والنفوس ومعاملاتنا من أمراض الغل والحقد والحسد وكل مايثقل كاهلنا من أمور تافهة من جراء عدم العفو والصفح. وهناك فوائد كثيرة لذلك، فالدراسات العلمية تؤكد أن الرضا عن النفس وعن الحياة يعالج كثيرا من الأمراض والاضطرابات النفسية،و أن هناك علاقات وثيقة بين التسامح والمغفرة من جهة وبين السعادة والرضا من جهة ثانية، وأثبتت الدراسات أن أكثر الناس سعادة هم الذين يعفون عن الناس، وأكدت كذلك أن العفو يقي الإنسان من العديد من أمراض الضغط والقلق والتوتر،كما أثبتت الدراسات أن العفو يقوي جهاز المناعة لدى الإنسان وأنه علاج قوي لعلاج الأمراض.
وبالتالي هناك حاجة أكيدة لمراجعة مفهوم التدين، وللتأكيد على مقاصد الدين ، والتركيز على الجوهر لا القشور التي لا تغني ولا تسمن..هناك حاجة للتأكيد على أن الإسلام أو الدين هو الأخلاق، وأن من لاخلق له لادين له، وأن الهدف الأسمى من العبادات جميعا هو تهذيب النفوس وترقية السلوك ، وإلا أصبحت كل هذه العبادات مجرد حركات وأشكال لا فائدة منها ولا عائد لها.