سارة الجاك

دور الثقافة والفنون في وقت الكوارث والحروب

بقلم ساره الجاك

في عالم يتقاذفه العنف، الحروب، والكوارث الطبيعية والإنسانية، غالبًا ما تنصبّ الأنظار على الغذاء والمأوى والدواء باعتبارها الأولويات القصوى في الاستجابة لأي أزمة. لكن ما يغيب عن الواجهة، هو الدور الجوهري الذي تلعبه الفنون والأنشطة الثقافية في ترميم ما تهدمه الأزمات ليس فقط على المستوى المادي، بل في عمق النفس والروح والهوية. إن الفنون ليست ترفًا، بل ضرورة إنسانية تعكس الوجدان الجمعي، تحفظ الذاكرة، وتساهم في بناء التماسك الاجتماعي. والأكثر من ذلك، أن الفاعلين الثقافيين يقفون على خطوط التماس الروحي، في مواجهة القهر والنسيان، حاملين أدواتهم الإبداعية كوسيلة لمقاومة الصمت والخذلان.
في زمن الحرب، تصبح الكلمة، واللحن، والريشة، والمشهد المسرحي، وسيلة من وسائل البقاء الرمزي للشعوب. فعندما يُقصف البيت، يُرسم في لوحة. وعندما يُقتل الحلم، يُكتب في قصيدة. وعندما تُغلق الحدود، يُفتح المسرح. هذه ليست مجازات أدبية، بل وقائع أثبتتها التجارب في سوريا، وفلسطين، واليمن، والسودان، والعراق، وغيرها. حيث نجد أن الفن لم يتوقف، بل ازدهر في ظل الموت، وتحول إلى أداة للمقاومة، والتوثيق، والعلاج النفسي. الأطفال في مخيمات اللاجئين يمسكون بالألوان للتعبير عن صدمة الفقد والتهجير، والشباب يقيمون عروضًا مسرحية تعيد تمثيل المأساة من أجل مواجهتها. الفنان هنا لا يُجمّل الواقع، بل يُحاوره، ويكسر صمته، ويعيد للناس صوتهم.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الفعاليات الثقافية التي تحمل رسالة إنسانية ومردودًا ماليًا في آنٍ واحد، مثل مبادرة “لأجل الفاشر”. فهذه النوعية من المبادرات تمثل نموذجًا ذكيًا للمقاومة الناعمة، حيث لا تكتفي بتسليط الضوء على الكارثة الإنسانية في دارفور، بل تخلق أيضًا تأثيرًا عمليًا من خلال جمع التبرعات، وتحفيز التضامن الشعبي، وتحريك الوعي الإقليمي والدولي تجاه أزمة ما زالت تُهمّش إعلاميًا. الجمع بين البُعد الفني والبُعد الاقتصادي والإنساني يجعل هذه الفعاليات أدوات فعالة لكسر الصمت حول القضايا المنسية، وإحياء روح المسؤولية الجماعية.
لكن، هذا الدور العظيم لا يسير دومًا بسلاسة، خصوصًا في المجتمعات التي تعيش تحت وطأة أنظمة ديكتاتورية أو سلطات قمعية. ففي هذه السياقات، يُنظر إلى الفن الحر كتهديد للسلطة، لا كحق إنساني. الفنانون الذين يتحدثون عن الظلم يُعتقلون، والكتّاب الذين يعبّرون عن غضب الناس يُحاصرون، والعروض التي تكشف قسوة الواقع تُمنع، والكتب التي تسرد الحقيقة تُصادر. في الأنظمة القامعة، تصبح الثقافة مملوكة للدولة، والمُتاح هو فقط ما يخدم الرواية الرسمية، أما من يخرج عن الصف، فيُتّهم بالتحريض أو تهديد “الأمن العام”.
وفي حالات كثيرة، لا يقتصر القمع على المنع، بل يمتد إلى التوظيف السياسي للفن، حيث تقوم السلطة بإنتاج فن مزيّف يُروّج للرضا والطاعة، ويُقصي الأصوات الناقدة، ويطمس الذاكرة الجمعية الحقيقية للشعوب. وهكذا، يتحول الفن من أداة للتحرر إلى وسيلة دعائية بيد النظام. ومع ذلك، لا يتوقف الفنانون الأحرار عن خلق مساحات بديلة، سواء في المنافي أو في الفضاء الرقمي، حيث يولد إبداعهم من رحم القهر، ويصبح الفن وسيلتهم لمواجهة السلطتين: سلطة الحرب، وسلطة القمع.
في مشاهد كثيرة، لعبت الفنون دورًا في التوثيق حين سكت الإعلام، وفي الصراخ حين خنقت الرقابة الأنفاس. في سوريا، حوّل الفنانون جدران المدن المدمّرة إلى لوحات توثق لحظات الفقد والكرامة. في غزة، ارتفعت الموسيقى وسط القصف كصوتٍ لا يمكن إسقاطه. وفي السودان، رافق الغناء الثوري خطوات التغيير في الشوارع. حتى في المنفى، حافظ الفنانون العرب على تراثهم، وواصلوا رسالتهم من خارج الحدود، رافضين أن يكونوا ضحايا للصمت أو التهميش.
وإلى جانب الدور التعبيري، يُستخدم الفن أيضًا كوسيلة علاجية حقيقية، خاصة للأطفال والنساء الذين يحملون ندوب الصدمات النفسية. ورش الرسم، والمسرح التفاعلي، والموسيقى، تُستخدم في برامج الدعم النفسي والاجتماعي، لمساعدة الناجين من الكوارث على التفريغ والتعبير والتعافي. وفي بعض الحالات، تحوّلت هذه الأنشطة إلى أدوات لتمكين المجتمعات الهشة، وتعزيز قدرتها على التكيف مع الواقع الجديد.
لكن كل هذه الجهود تظل مهددة، إذا لم تجد دعمًا كافيًا من المؤسسات، والمنظمات، والمجتمع الدولي. فالفنانون الذين يعملون في ظروف الحرب أو القمع يحتاجون إلى حماية ومساحة آمنة، وتمويل، واعتراف بدورهم كمقدّمي دعم مجتمعي حقيقي. ومن المهم أن تُدرج الثقافة ضمن خطط الإغاثة وإعادة الإعمار، لا كمجال ثانوي، بل كجزء أساسي من عملية التعافي الشامل.
في النهاية، فإن الفن في زمن الكارثة ليس زخرفًا، بل ضرورة. وهو ليس بديلاً عن الغذاء والدواء، بل مكملاً لهما في شفاء الروح وإعادة بناء الإنسان. أما الفاعلون الثقافيون، فهم الجنود الذين يحملون ذاكرة الشعوب، ويحمونها من النسيان، ويعيدون لها صوتها حين يُمنع عنها الكلام. في وجه القنابل، يقاومون بالقصيدة. في وجه الجدران، يرسمون الحقيقة. وفي وجه الديكتاتورية، يخلقون مساحة حرية من بين الركام. هؤلاء لا يجب أن نغفل عنهم، بل أن ندعمهم، ونحمي حقهم في التعبير، لأنهم حماة الإنسان في جوهره.
ساره الجاك

زر الذهاب إلى الأعلى